أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
71
تقييد العلم
عز وجل " ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ، ذلكم أقسط عند الله ، وأقوم للشهادة ، وأدنى ألا ترتابوا " . فلما أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظاً له ، واحتياطاً عليه ، وإشفاقاً من دخول الريب فيه ، كان العلم ، الذي حفظه أصعب من حفظ الدين ، أحرى أن تباح كتابته ، خوفاً من دخول الريب والشك فيه ؛ بل كتاب العلم في هذا الزمان مع طول الإسناد ، واختلاف أسباب الرواية ، أحج من الحفظ . ألا ترى أن الله عز وجل جعل كتب الشهادة ، فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم ، عوناً عند الجحود ، وتذكرة عند النسيان ؛ وجعل في عدمها ، عند المموهين بها ، أوكد الحجج ببطلان ما ادعوه فيها . فمن ذلك أن المشركين لما ادعوا بهتاً اتخاذ الله سبحانه بناتٍ من الملائكة أمر الله نبينا صلى الله عليه أن يقول لهم " فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين " . ولما قالت اليهود " ما أنزل الله على بشر من شيء " وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة قال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه قل لهم : " من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ، تجعلونه قراطيس تبدونها ، وتخفون كثيراً " ، فلم يأتوا على ذلك ببرهان ، فأطلع الله على عجزهم عن ذلك بقوله تعالى " قل الله ، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " . وقال تعالى راداً على متخذي الأصنام آلهة من دونه : " أروني ماذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السماوات ، ائتوني بكتاب من قبل هذا ، أو إثارة من علم إن كنتم صادقين " . والأثارة والأثرة راجعان في المعنى إلى شيء واحد ، وهو ما أثر من كتب الأولين . وكذلك سبيل من ادعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك ، أن يقيم دون الإقرار برهاناً : إما شهادة ذوي عدل ، أو كتاباً غير مموه ، وإلا فلا سبيل إلى تصديقه . والكتاب شاهد عند التنازع كما أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، أخبرنا أبو